blog 2

في العقود الأخيرة ، تسارعت وتيرة التطور التكنولوجي في جميع جوانب الحياة ، من طرق التواصل إلى التصنيع و الكثير الكثير من المجالات الأخرى ، و أصبح ما كان يُعتقد بأنه ضرب من الخيال العلمي ، حقيقة واقعة نلمسها بأيدينا و جزءاً لا يتجزأ من تفاصيل حياتنا اليومية ، طبعا هذا التطور شمل بشكل أساسي المجال الصحي ، و أنا هنا لا أتحدث عن تطور الأجهزة الشعاعية و المخبرية و لكن التطور شمل أيضاً تقنيات التوثيق الطبي و طرق معالجة هذه البيانات ، للتماشى مع المستحدثة و التي تُعنى بإدارة إيرادات المنشآت الصحية مما يعطيها المجال للنمو المستدام و القدرة على توفير رعاية صحية أفضل

التصنيف الدولي للأمراض

بدأ التطور في تقنيات و طرق معالجة البينات الطبية يأخذ منحاه التصاعدي في العام 1977 , عندما قام المجمع الطبي العالمي باعتماد التصنيف الدولي للأمراض و الذي يتكون من مجموعات من الرموز مقسمة بحسب التخصصات الطبية ، كالجراحة و أمراض القلب و أمراض الأنف و الأذن و الحنجرة ، حيث أن كل عرض أو مرض له رمز محدد، ولابد أن نذكر هنا أن نظام الترميز قد بدأ قبل هذا التاريخ بعدة قرون و بالتحديد في القرن السابع عشر في مدينة لندن بالمملكة المتحدة ، حيث كان يستخدم لإحصاء الأسباب المتكررة للوفيات ، و تطور لاحقا بإشراف منظمة الصحة العالمية ليصبح ما كان يعرف ب ” اللائحة العالمية لأسباب الوفاة ” إلى أن تطور بالشكل اللذي نراه اليوم و هو الإصدار العاشر من التصنيف الدولي ICD 10للأمراض

بطبيعة الحال فإن ، فإن اعتماد التصنيف الدولي للأمراض قد ساهم بشكل كبير في تحسين مستوى جودة التقارير الطبية و دقتها، و تحديداً في طريقة تبادل البيانات بين مزودي الرعاية الصحية و الجهات الدافعة كشركات التأمين و التي كانت قد بدأت نظام التأمين الصحي قفي الولايات المتحدة الأمريكية و أوروبا في النصف الأول من القرن العشرين ، حيث اعتمد نظام الفوترة الطبية بشكل أساسي على الرموز الطبية لتلقي المستحقات المالية لمزودي الرعاية الصحية ، و مع تطبيق هذه النظم الجديدة برز معها تحديات جديدة تتعلق بنوعية التوثيق الطبي و بناء هيكلية موحدة لها ، لتسهيل عملية الترميز الطبي و ضمان سرعة هذه العملية

ففي الماضي ، اعتمدت الطواقم الطبية على الكتابة اليدوية في توثيقها للحالات و تدوين التشخيصات و الإجراءات الطبية و التحاليل و كل ما يتعلق بصحة المرضى في ملفات ورقية ، و مع النمو السكاني حول العالم و بالذات في منطقة الشرق الأوسط ، زادت أعداد المرضى و زاد معها كمية الملفات الطبية الورقية و بالتالي زادت أيضاً كمية المطالبات المالية الورقية التي يتم إرسالها من قبل المستشفيات لشركات التأمين ، إلى أن أصبح تخزين هذه الملفات تحدياً حقيقياً أمام المنشآت الصحية ، لكونها تحتل مساحة تخزين كبيرة ، و إمكانية فقدان اجزاء منها تحتوي على معلومات مهمة ، ناهيك عن كلفة نقل المطالبات الورقية ، فكان الحل باللجوء إلى التقنيات الحديثة و تحويل الوثائق الورقية إلى وثائق الكترونية سواءاً على مستوى سجلّات المرضى أو المطالبات المالية

DRG لم يكن التطور في كيفية حفظ هذه الملفات فقط ، بل في نوعية البيانات السريرية الموثقة ، ففي عام 2007 و قبيل قيام البرنامج الوطني الأمريكي للتأمين الصحي (ميديكير) المؤسس عام 1966 بتطبيق نظام الحزم التشخيصية قامت العديد من المستشفيات في الولايات المتحدة بدراسة محتوى الوثائق السريرية لديها ، لتظهر المفاجأة بوجود فجوة كبيرة في هذه الملفات ، حيث أن معظم الأطباء اعتمدوا المصطلحات السريرية في تقييمهم للمرضى عوضاً عن المصطلحات التشخيصية ، مما قد أدى إلى تراجع كبير في قيمة التعويضات المادية للمستشفيات عن الخدمات التي تمت فوترتها بنظام الحزم التشخصية ، كون هذا النظام يعتمد بشكل اساسي على التشخيص النهائي و ليس التقرير السريري فقط. و هنا لابد لنا من ذكر الفرق بين المصطلحات السريرية و المصطلحات التشخيصية ، فالمصطلحات السريرية هي تلك التي تذكر المؤشرات السريرية للمريض من دون ذكر التشخيص النهائي لهذه المؤشرات عكس المصطلحات التشخيصية و التي تكون قاطعة و حاسمة بذكر العلّة أو التشخيص النهائي ، فعلى سبيل المثال عند معاينة الطبيب لمريض يعاني ارتفاع في ضغط الدم ، فإن بعض الأطباء يقومون بتدوين نسب ضغط الدم ( 180/95) في إشارة إلى فرط التوتر الشرياني بينما يجب الإشارة إليه ب ” فرط توتر شرياني ” مع ذكر النوع سواء كان فرط توتر شرياني أساسي أو فرط توتر شرياني كظري المنشأ … إلخ

التوثيق الطبي .. وتحسينه والدول الرائدة في هذا المجال

من هنا نشأت الحاجة لبرامج تحسين التوثيق الطبي ، و قد قامت العديد من المستشفيات في الولايات المتحدة ، بتعيين متخصصين في التوثيق الطبي ، لتدقيق و مراجعة الملفات الطبية بالتعاون مع الأطباء المعالجين لتحسين جودة هذه الوثائق ، و لضمان حصول المستشفيات على التعويضات العادلة عن الخدمات الصحية التي تم عملها للمرضى

وفي منطقة الشرق الأوسط و تحديداً في دول مجلس التعاون ، كانت دولة الإمارات العربية المتحد و المملكة العربية السعودية من الدول السبّاقة في إعتماد نظم الترميز الطبي كوسيلة أساسية في تبادل البيانات الطبية بين الأطراف المختلفة ، كالمقدمي الرعاية الصحية و شركات التأمين و الهيئات المنظمة للقطاع الصحي ، مما أدى إلى تطور ملحوظ في مستوى جودة الرعاية الصحية و نشوء قطاع أعمال جديد وفّر عشرات الآلاف من الوظائف ، حيث أن العديد من شركات التأمين العالمية افتتحت فروع لها في النطقة ، بالإضافة إلى افتتاح الكثير من شركات إدارة المطالبات المالية الطبية و الترميز الطبي ، و ترافق معها نشوء العديد من مراكز التدريب و الأكاديميات المختصة ببرامج الترميز الطبي و برامج تحسين التوثيق الطبي مستخدمة أحدث التقنيات في التعليم و التدريب مثل منصة اتش فاكلتي

جديرٌ بالذكر ، أن جودة الوثائق الطبية لا ينعكس فقط على جودة الرعاية من الناحية المالية فقط ، بل له تأثير مباشر على الناحية الصحية للمرضى ،حيث أن جميع هذه الوثائق ترفع بشكل دوري للهيئات المنظمة للقطاعات الصحية في البلاد ، وبناءاً عليها تقوم هذه الهيئات باتخاذ القرارات الاستراتيجية بتوزيع الموازنة الصحية ، على هيئة استثمارات و خطط تطوير للقطاع الصحي بشكل عام ، فعلى سبيل المثال ، قامت هئية الصحة في إمارة أبوظبي بدولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2018 بنشر خطة الاستيعاب السنوية و توزيع المنشآت الصحية في الإمارة و تحديد قدراتها الإستيعابية و التخصصات الطبية الواجب توافرها ، بناءاً على البيانات التي تم تزويد الهيئة بها سواءاً من منشآت القطاع العام أو القطاع الخاص ، لذا فإنه كلما ارتفعت دقة و شمولية التوثيق الطبي ، كلما تم بناء الخطط الحكومية بشكل أدق

و على مستوىً آخر ، في دراسة قامت بها الجمعية الطبية الأمريكية في عام 2016 ، تبين أن ما نسبته 27 % من أوقات عمل الأطباء يتم قضاؤها مع المرضى ، بينما 49% من الوقت يتم قضاؤه في تدوين التقارير الطبية و إدخالها على الملفات الطبية الإلكترونية، و كنتيجة لاعتماد برامج تحسين التوثيق الطبي ، فإن النتائج كانت إيجابية ، إذ أدت إلى إطالة الوقت الذي يقضيه الأطباء مع مرضاهم ، من خلا ل الأدوات المستخدمة في التوثيق الطبي كهيكلية البيانات المعدة مسبقاً

في النهاية ، فإن مواكبة التطور الحاصل في تقنيات التوثيق الطبي و طرق معالجة البيانات الطبية ، سوف يسهم بشكل كبير في تطوير المنظومة الصحية في منطقتنا بشكل عام ، و سيساهم في رفع مستوى جودة الرعاية الصحية المقدمة للمرضى ، مما يسفتح المجال أمامنا باستقطاب الخبرات العالمية و النهوض بمجتمعاتنا لحياةٍ أفضل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *