blog 3

لطالما اعتبرت إدارة دورة الإيرادات أنها شريان الحياة بالنسبة للقطاع الصحي ، إذ تنامى أثرها و الحاجة إليها في السنوات الأخيرة في منطقتنا ، فبعد إعتمادها بشكل رسمي من قبل الهيئات المنظمة للقطاع الصحي في بعض الدول ، شهد هذا القطاع طفرة من حيث النمو الكمّي و النوعي على مستوى القطاع الخاص و العام أيضاً ، حيث أن عدد المنشآت الصحية الخاصة تزايد بشكل كبير بمختلف أنواعها  من مراكز الرعاية الصحية الأولية وصولاً إلى المستشفيات التخصصية ، و كذلك الأمر بالنسبة للمنشآت الصحية الحكومية ، التي تزايد عددها بل و أصبحت قادرة على عقد شراكات مع مؤسسات صحية عالمية رائدة بهدف الإرتقاء بجودة الخدمات الصحية المقدمة في هذه الدول

ولكي نتمكن من تحديد عوامل نجاح نموذج دورة إيرادات القطاع الصحي ، لابد لنا من تحديد الركائز الأساسية التي يقوم عليها هذا النظام و تحديد ما هي المتطلبات النموذجية التي يجب توافرها ، للوصول إلى الصيغة المثالية و التي تصلح ليتم اعتمادها على مستوى بلدٍ ما. و لنكون منصفين في هذه المقاربة ، حريّ بنا أيضاً تحديد مواطن التحديات و التي من شأنها أن تكون عائقاً أمام تطبيق إدارة دورة الإيرادات ، و كيفية التغلب على هذه التحديات للوصول للهدف المنشود

و لأن البدايات غالباً ما تحدد مسار الرحلة ، فإنه لابد لنا من اعتبار عملية تسجيل المرضى في المنشأة الصحة هي شرارة الإنطلاق في دورة إدارة الإيرادات ، كما يجب بناء هذه العملية لتكون منظمة و محددة و فعّالة بالإضافة لكونها  قابلة للتطبيق

تسجيل بيانات المرضى و التحقق من أهلية التأمين الصحي*

 أولاً : خطة العمل ، و وضعها على أسس علمية و مدروسة و تقسيمها إلى مراحل لضمان إحصاء و توثيق كافة البيانات المطلوبة لكل مريض

ثانياً : الاستثمار في فريق العمل و تطوير مهاراتهم المهنية ، عن طريق التدريب و التعليم المستمر ، إما عن طريق التدريب الداخلي أو التعاقد مع مراكز و مؤسسات تدريب متتخصصة ، مثل منصة اتش فاكلتي، و التي لديها الدراية و القدرة على تنفيذ برامج تدريب موظفي الإستقبال في المنشآت الصحية و موظفي موافقات التأمين ، حيث أن التغيرات مستمرة في شبكات التأمين و البوليصات ، لذا لابد من المتابعة المستمرة و التدريب المتواصل.   

ثالثاً : زيادة الإعتماد على أنظمة المعلوماتية الصحية و التي تدعم نظام إدارة الإيرادات من خلال احتوائها على خصائص فوترة إلكترونية و خصائص إرسال المطالبات ، فبحسب الخبرات المتراكمة سابقاً ، وصلنا إلى نتيجة أن عدم التركيز على اختيار الأنظمة المناسبة ، قد ينتج عنه خسائر مالية فادحة ، و هنا أحب التنويه إلى أفضلية اختيار الأنظمة المطورة محلّياً ، كون المطورين على دراية بخصائص و اختلافات دورة الإيرادات عن النظم المتبعة في دولٍ أخرى.

الترميز الطبي و الفوترة *

لا نبالغ إذا اعتبرنا أن هذه المرحلة هي حجر الأساس في بناء دورة الإيرادات ، حيث أن ترجمة جميع الممارسات الطبية إلى رموز معينة مرتبطة بأسعار الخدمات يحدث في هذه المرحلة و من ثم صياغتها في مطالبة تعكس الخدمات المقدمة و أسعارها بصورة عادلة ، مبنية على قواعد الترميز الطبي و الفوترة بشكل سليم ، هو ما يعطي قدم السّبق لهذه المنشأة بتحصليل العوائد المالية بأقل قدر من الرفوضات و بالتالي استثمار هذه العوائد في تطوير المنشأة ، بل و يوحي بموثوقية هذه المنشأة أمام الجهات الدافعة في جميع تعاملاتها.

ولذا فإن تحقيق هذه العملية المتوازنة ، يتطلب بالضرورة تعيين الكفاءات القادرة على إنجاز المهمة على أكمل وجه ، بل و الإستثمار الدائم في تدريبهم و تطوير قدراتهم ، و ليس هذا وحسب، بل تقسيم هذه الإدارة إلى أقسام ، كل قسم مسؤول عن وظيفة معينة. يجدر بنا الإشارة هنا إلى ضرورة تخصيص واحد من هذه الأقسام ، ليكون مختصّاً بالتدقيق النهائي قبيل أرسال المطالبات ، للتأكد من المعلومات المضمنة في المطالبات و تصحيحها اذا اقتضى الأمر

آليات المتابعة و التحليل*

من المعروف في إدارة دورة الإيرادات ، أن ما نسبته 5-10% من مجمل المطالبات المرسلة إلى شركات التأمين ، تكون مرفوضة ، أي أن الجهات الدافعة لا تقوم بدفع قيمة هذه المطالبات  إما كلّياً أو جزئيّاً ، بطبيعة الحال فإن أسباب الرفض تكون  مصنفة بحسب المنشأ ، فعلى سبيل المثال ، جميع أسباب الرفض المتعلقة بالمحتوى الطبي للمطالبة يكون لها سلسلة من الرموز الدالة عليها ، سواء كان السبب الطبي يتعلق بإرفاق المزيد من التشخيصات الداعمة للاستطباب لإجراء معين ، أو كون هذه الإجراء مكرر أكثر من اللازم ، و بناءاً على هذه الأسباب يجب أن يتم تحليلها و معرفة موطن الأخطاء و معالجتها لضمان عدم تكرارها و تزويد قسم الترميز بتقارير دورية عن هذه الأخطاء سيشكل آلية تصحيح استباقية تحسن من الأداء بشكل عام و تقلل من فرص رفض هذه المطالبات. 

كما أسلفت في بداية المقال فإنه من المهم جداً تحديد التحديات التي قد نواجهها أثناء تطوير نظام دورة إيرادات الرعاية الصحية و التي تم رصدها و العمل على تجاوزها في العديد من التجارب المتقدمة في منطقة الشرق الأوسط كتجربة دولة الإمارات العربية المتحدة و المملكة العربية السعودية و التي يمكن ذكرها على النحو التالي

نقص الكفاءات المدربة  وأعداد اليد العاملة ذات الخبرة*

كما ذكرنا في السابق ، فإن من أهم عوامل نجاح نظام دورة الإيرادات في أي منشأة صحية يعتمد على وجود الخبرات ، و بالتالي فإن النقص فيها سوف يؤدي إلى تباطؤ وتيرة تطوير هذا النظام ، و أنا هنا أود الإشارة إلى أهمية بناء الكوادر محليّاً و تدريبهم على القوانين و الأنظمة المحلية ، فوجود موارد بشرية أكتسبت خبرتها في أماكن أخرى لا يعني بالضرورة قدرتها على التعامل مع الأنظمة المحلية ، و من هنا نشأت الحاجة إلى مراكز تدريب و أكاديميات محلية تأخذ بعين الإعتبار القوانين الموضوعة من قبل الهيئات المنظمة للقطاع داخليّاً و لكن مع تطبيق معايير جودة عالمية كما هو الحال على منصة اتش فاكلتي

اتباع قواعد الترميز العالمية بشكل عادل*

كما أن الترميز الطبي يعتبر ركيزة أساسية في نظام دورة الإيرادات ، و اعتبار الترميز الطبي السليم هو أحد أسس ضمان استمرارية المنشأة الطبية مالياً ، فإن عدم الالتزام بقواعد الترميز الطبي و إضافة الرمز بدون أساس أو إنقاصها من شأنه أن يؤدي إلى نتائج عكسية تضع المنشأة في موقف صعب للغاية ، حيث أن الترميز بدون مرجعية من الوثائق الطبية قد يعتبر في كير من الأحيان احتيالاً ، و يخضع للمساءلة القانونية ، ناهيك عن أحقيّة الجهات الدافعة لاسترداد كافة المبالغ المدفوعة بأثر رجعي ، مما يعرض المنشأة لخطر التوقف عن تقديم خدماتها نهائيّاً ، لذا فإن فرض آليات رقابة داخلية يعتبر إجراءاً صائباً

متابعة المتغيرات في سوق العمل*

من المعروف أن التغيير هو الثابت الوحيد ، لذا فإن المتابعة لكل المتغيرات في القطاع الصحي سواءاً من أنظمة أو تحديثات تقنية أو خطط عمر مبتكرة هي ما يميز بعض مقدمي الرعاية الصحية عن الآخرين ، بل و أستطيع القول، أن عدم التركيز على مواكبة كل ما هو جديد في هذا المجال ، قد يجعل البعض في الصفوف الخلفية ، و بالتالي ضياع الكثير من الفرص

خلاصة القول ، أن الاستفادة من تجارب الآخرين في بناء دورة إدارة إيرادات القطاع الصحي تعتبر البداية فقط في بناء نظام متكامل ، و أن تطوير الخبرات المكتسبة محلّيا ، هو ما سيكسب هذا النظام الزّخم و يعطيه الدافع ليستمر و يحقق النتائج المرجوة منه ، بل و يتيح الفرصة للعقول و الخبرات المحلية بالابتكار و أعطاء نموذج يحتذى به عالمياً

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *